الجلاء كما قدم لنا التاريخ من شواهد… برهنها الحاضر… العقلية الاستعمارية لن تخبو أو تندثر

الجلاء كما قدم لنا التاريخ من شواهد… برهنها الحاضر… العقلية الاستعمارية لن تخبو أو تندثر

*- أشارت العديد من الدراسات التاريخية الفرنسية لمرحلة الاستعمار الفرنسي في بداية القرن الماضي أن الاختباء خلف حجة نقل المدنية إلى البلاد العربية نجحت الى حد بعيد في بلاد المغرب العربي والجزائر بشكل خاص (/125/ عاما). غير أنها لم تنطلي على السوريين, حيث بدأت مقاومة المستعمر الفرنسي في كل مكان منذ اللحظة الأولى.
*- ولم يغري السوريون خلال فترة الانتداب البغيضة تغطية الفرنسيين لأهدافهم بإنشاء الوسائل الحضارية كالطرقات والمدارس ومسح الأراضي ومراكز البريد و”الترامواي” وغير ذلك.
*- وقد وصف المؤرخون الأكاديميون الفرنسيون أن الانتداب ظل مرفوضا من الشعب السوري “الشامخ والفخور بوطنيته”, وكان الملفت أن الثورات السورية التي انتشرت في كل مكان لم تحمل أي صفة طائفية أو عرقية.
*- شهادات من سجلات التاريخ :
– يروي هنري دي جوفنيل Henry de Jouvenel رابع مفوَّض سامي فرنسي في سوريا, أنه في العام /1926/ دار حديث آنذاك بينه وبين وزير تركي سابق في حكومة عندما كانت سوريا تحت الاحتلال العثماني, فقال الوزير التركي:
“بالله عليك، احتفظوا بها لكم “أي سورية”، واحتفظوا خاصة بدمشق! فإن هذه المدينة هي واحدة من تلك المدن… التي تقضي على الإمبراطوريات”.
– الصحافي والكاتب الفرنسي جوزيف كيسِّل Joseph Kessel جاء إلى سوريا في العام /1927/ في مهمة للاطلاع ودراسة مجرى الأمور بخصوص إخماد الثورة السورية الكبرى /1925-1926/. فكتب في دراسته :
“من الواضح بأن جميع الأنظمة السياسية لن تجد لها نفعا هنا، حيث إنه ليس هناك بين البلدان ما هو بالطبيعة أكثر تعقيدًا وأكثر صعوبة وأكثر ثورة ضد أي تدخل في شؤونه من هذا البلد: سوريا”.
– ضابط المخابرات الفرنسية بيير روندو Pierre Rondot, في تقرير له عام /1929/:
“قد يكون من الصعب جدا إقناع السوريين بأننا, بإظهار ما نقوم به من الجوانب الخدمية والاجتماعية… (إنشاء الطرق ومسح الأراضي والترامواي…) وغيرها من المشاريع, نستطيع البقاء هناك للسيطرة على مدينة ألفية (ويعني دمشق) تمثل ما تمثل في هذه المنطقة وبالأخص الوصاية على الهوية العربية. لذا يتوجب علينا تقسيم سورية إلى دويلات…ولعلنا بهذه المخاطرة ننجح….”.
*- محطات في الانتداب وبعده :
– سعى ابراهيم هنانو ونجح في إشعال نار الثورة في شمال سورية وقد انعقد برعايته أول اجتماع لها في مدينة ادلب عام 1920… كان لتعاونه مع الثورات السورية ولاسيما ثورة صالح العلي الأثر الكبير في تشديد الحصار على قوات العدو الفرنسي واندحارها ليس في ميدان ثورة الشمال فقط بل في ميادين الثورات المشتعلة في أنحاء البلاد. وبعد القبض عليه قدم إلى محكمة الجنايات العسكرية الفرنسية بتهمة الإخلال بالأمن والقيام بأعمال إجرامية، وعقدت المحاكمة أول جلساتها في 15 آذار 1922 في ظل إجراءات أمن مشددة، وترافع فتح الله الصقال أبرز محامي حلب للدفاع عن هنانو. حيث أظهر ان التهمة باطلة كون هنانو خصم سياسي وليس مجرما، بدليل أن الفرنسيين قبلوا بالتفاوض معه مرتين ووقعوا معه هدنة.
وعندما قال رئيس المجلس العرفي العسكري للزعيم هنانو: إن الشعب السوري لم يطلب منك إعلان الثورة؟.. وبدون إذن من الرئيس وقف سعد الله الجابري وقال: إننا نحن الذين طلبنا من الزعيم هنانو مقاتلتكم.. ونحن لن نتخلى عن مقاتلتكم، مادام فينا وطني واحد، حتى تخرجوا من بلادنا. وفي احدى جلسات المحاكمة طالب النائب العام الفرنسي بإعدامه قائلا : لو أن لهنانو سبعة رؤوس لطلبت قطعها جميعاً”• لكن القاضي الفرنسي أطلق سراح هنانو معتبراً ثورته ثورة سياسية مشروعة.
– اكبر احتفالات الجلاء كان مساء يوم 24 تموز في الثكنة الحميدية (كلية الحقوق حاليا)، ولم يكن في برنامج الحفل أي كلمة لفارس الخوري ولكن سعد اللـه الجابري التفت إليه وقال أنت تاريخ القضية والواجب يدعوك للخطابة، فقام الخوري وألقى كلمة معبرة عن نضال الشعب السوري وتضحياته التي قدمها لنيل استقلاله، ومما قاله: ما كنت احسب أننا نصل إلى أمانينا بهذه السرعة واذكر أنني لما كنت مع المغفور له الملك فيصل في الوزارة قبل ربع قرن كامل صادف أن احتفل الفرنسيون بعيد 14 تموز عيد الحرية الفرنسية ولكنهم بدلا من أن يعرفوا قيمة هذه الحرية للأمم الأخرى بعثوا بإنذارهم في ذلك اليوم إلى سورية طالبين إلينا أمورا شتى وهاجموا البلاد وجرت معركة ميسلون…
*- شهادات اليوم :
– عام 2012, وفي دراسة نشرها بارة ميكايل Barah Mikail, مدير البحوث والدراسات في مركز فريد Fride بمدريد, يبين أن الانتداب الفرنسي على سورية كان بمثابة “الخطيئة الأصلية”, لأن فرنسا حاولت تصدير نموذج الانتداب في المغرب العربي إلى سورية. في حين أن السوريين بمختلف انتماءاتهم الدينية والعرقية وبنتيجة تجاربهم عبر تاريخهم الطويل لا يقبلون بأية هيمنة ولن تكون أي محاولات للتقسيم الا تجارب أكثر فشلا.
– في كتاب صدر عن العلاقات السياسية السورية الفرنسية في شهر تشرين الثاني /2013/, للكاتبة /ايزابيل فورستوس Isabelle Feuerstoss/ بعنوان:” سورية وفرنسا. رهانات جيوسياسية ودبلوماسية”. تختم الكاتبة برؤيتها لكيفية اعادة ترميم العلاقات الفرنسية السورية, وتبين أنه بالنسبة الى السوريين فان موضوع “الاستقلال الوطني” قضية مبدئية يعرفها الفرنسيون منذ مرحلة الانتداب لأنها تمس أعمق ما فيهم, وبناءا عليها يمكن البدء بإعادة تعريف وبناء جذرية للعلاقات الثنائية بين البلدين.
*- أصدقائي… اخوتي في الوطن
– لم يكن الانتداب في القرن الماضي… الا عملية غزو وسيطرة جديدة على بلادنا… سبقتها حملات غزو وهيمنة عديدة… كحملات الصليبيين… وبعدهم نابليون … ومن كان قبلهم… ومن كان بعدهم…
– عقلية الهيمنة الاستعمارية… لم تتوقف يوما… وتأخذ في كل مرة شكلا… يتوافق مع متطلبات استراتيجيات الغرب… بحسب سياسات قوى العصر الذي تتم فيه.
– لا مشكلة عند الغرب… عندما ينوي الغزو والسيطرة… فهو لا يخفي نواياه الاستعمارية… يكتب عنها في حينها… وبفصح عما يبغي… وعما يريد… ويكتب خلالها وبعدها محللا ايجابياتها… مشيرا الى أخطائه فيها.
– المشكلة… أن أمة أقرأ… اكتفتت بالتسمية… وعاشت قرونا من المآسي والمصائب… وهي مغمضة العين والعقل… مزهوة … مفتخرة بأنها أمة اقرأ… دون أن تقرأ!!!!
– كما قدم لنا التاريخ من شواهد… وبرهنه الحاضر… العقلية الاستعمارية لن تخبو أو تندثر… سيعيد الغرب الكرة مثنى.. وثلاث… ورباع… وأكثر.
اعداد : د. سمير نصير

إلى الأعلى
Website Security Test